منير سلطان
244
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
الجبائية تلك التي فتقت الكلام في نظرية النظم متبلورة على يد القاضي ، قد أعطت النغم الذي يضرب عليه الجرجاني ، ويبنى نظريته في النظم . والزمخشري قد تناول التّركة من الجرجاني وطبقها على القرآن بعقل واع ونفس متفتحة . إذن فالتأثير والتأثر متصل بين المدرستين ولكنه من المعتزلة ابتدأ وإلى الأشاعرة وصل ، ثم إلى المعتزلة عاد على يد الزمخشري . ولكن بالرغم من هذه الجهود الجبارة التي أنفق فيها المتكلمون حياتهم مع غيرهم من اللغويين والأدباء والمتفلسفة الذين شغلوا بالقرآن واعجازه فإنهم فاتهم أن ينظروا إلى إعجاز القرآن بنظرة شاملة مستوعبة . فهذا الزمخشري ، وهو خلاصة الفكر البلاغي في مدرسة المتكلمين - يقول عنه الدكتور الجويني - « أما مبحثه في الإعجاز القرآني فقد كان يساير ما اتسم به البحث البلاغي على مدى العصور ، وهو النظرة الجزئية إلى العبارة أو العبارتين في النص أدبى ، لا تعدوه إلى العمل الأدبي كله ، حقا ، قد ظفر الزمخشري بنتائج ذات بال من وقفاته الجمالية القصيرة ، ولكن ما كان يفيده من تحليل للنص القرآني كاملا كان يصل به إلى نتائج أكثر قيمة ، ولهذا فلن تتوقع مثلا أن يفرد بابا للتشبيه في القرآن ، ولأمثال القرآني ، وللقسم فيه أو للاستعارة القرآنية أو لأدب الجدل ، أو لغير ذلك من مباحث ترتاد الميادين الأدبية أو النفسية في القرآن . ومع ذلك كله ، فما نجده عند الزمخشري من مباحث جميلة ، هي غاية ما وصل إليه الدرس البياني في عصره ، محدودا بما كان له من طاقات وما أوتيه من أسباب « 1 » . ونخلص من هذا بأن الشغف بالجزئيات لم يتح للباحثين القدامى فرصة « لإدراك الخصائص العامة المشتركة ، التي يصدر عنها كتاب اللّه في تصويره وتعبيره فيهز النفوس ويحرك المشاعر ويفيض الدموع » « 2 » . وأصبح لا بد لدراسة التعبير في هذا كتاب المعجز من منهج جديد للدراسة ومن مبحث عن الأصول العامة للجمال الفنى فيه ، ومن بيان للسمات المطردة
--> ( 1 ) الدكتور مصطفى الجويني - منهج الزمخشري - 300 . ( 2 ) الدكتور صبحي الصالح - مباحث في علوم القرآن - 255 .